محمد رأفت سعيد
69
تاريخ نزول القرآن الكريم
ولهذا قال مالك : إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي صلّى اللّه عليه وسلم مع قوله بأن ترتيب السور كان باجتهاد منهم ، فآل الخلاف إلى أنه هل هو بتوقيف قوليّ أو بمجرد إسناد فعلىّ بحيث يبقى لهم فيه مجال للنظر ، وتبعه في ذلك جعفر بن الزبير . وحتى لو قيل بالاجتهاد من الصحابة في بعض المواضع من الترتيب فقد علمنا من قبل أن اجتهاد الصحابة قائم على الاتباع ، وعلى ما ألفوا وسمعوا من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وليس اجتهادا قائما على الرأي والهوى . وسواء أكان ترتيب السور توقيفيا أم اجتهاديا ، فإنه ينبغي احترامه ، خصوصا في كتابة المصاحف ؛ لأنه عن إجماع الصحابة - رضوان الله عليهم - والإجماع حجة ، ولأن خلافه يجر إلى الفتنة ، ودرء الفتنة وسد ذرائع الفساد واجب . أما ترتيب السور في التلاوة فليس بواجب ، إنما هو مندوب قال الإمام النووي في كتابه البيان : قال العلماء : الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف ، فيقرأ الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران ، ثم ما بعدها على الترتيب سواء أقرأ في الصلاة أم في غيرها ، حتى قال بعض أصحابنا : إذا قرأ في الركعة الأولى سورة قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ( 1 ) [ الناس ] يقرأ في الثانية بعد الفاتحة من البقرة ، قال بعض أصحابنا : ويستحب إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها التي تليها ، ودليل هذا أن ترتيب المصحف إنما جعل هكذا لحكمة ، فينبغي أن يحافظ عليها إلا فيما ورد الشرع باستثنائه كصلاة الصبح يوم الجمعة ، يقرأ في الأولى سورة السجدة ، وفي الثانية : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ ، وصلاة العيد في الأولى « ق » وفي الثانية : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وركعتي الفجر في الأولى : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) وفي الثانية : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) ، وركعات الوتر في الأولى : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ( 1 ) ، وفي الثانية : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) ، وفي الثالثة : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) « والمعوّذتين » . ولو خالف الموالاة فقرأ سورة لا تلى الأولى ، أو خالف الترتيب فقرأ بسورة قبلها جاز ، فقد جاءت بذلك آثار كثيرة ، وقد قرأ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في الركعة الأولى من الصبح بالكهف ، وفي الثانية بيوسف . وقد كره جماعة مخالفة ترتيب المصحف . وعن عبد الله بن مسعود رضي اللّه عنه أنه قيل له : إن فلانا يقرأ القرآن منكوسا فقال : ذلك منكوس القلب .